حيدر حب الله

66

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الجيفة ، فلا نقدر على تمييز أين صارت أجزاؤها ؟ فما في بطن كلّ حيوان هو طعام مختلط من الجيفة ومن لحم سائر الحيوانات المتصارعة ، وسؤال إبراهيم هو كيف سيتمّ تمييز قطع الجيفة التي اختلطت داخل حيوانات البحر والبرّ ، لا أنّه يسأل عن شبهة الآكل والمأكول . ولتشبيه الموقف يمكن إعطاء المثال التالي : أنا أعطيت زيداً وعمرواً خمسة دنانير ، فأخذ بكرٌ من زيد دينارين ، ثم أخذ خالد من عمرو دينارين ، ثم أخذ سعيد من خالد ديناراً ، وأخذ جمال من بكر ديناراً ، وأخذ فؤاد من بكر ديناراً ومن خالد ديناراً ، وكلّ واحد منهم كانت في جيبه دنانير أخرى له ، السؤال كيف نميّز الدنانير الخمسة التي أعطيتها أنا لزيد وعمرو ؟ هذا هو سؤال إبراهيم ، وهذا السؤال يتناسب مع جواب الله تعالى عبر الطيور . ولعلّ ما سبّب تصوّر إقحام فكرة الآكل والمأكول في البَين هو تعبير إبراهيم بأنّه يأكل بعضها بعضاً ، مع أنّ هذا التعبير عندما نضمّه إلى طريقة الجواب وتعبير الاختلاط الوارد بعد ذلك نفهم منه أنّ الموضوع ليس بالضرورة شبهة الآكل والمأكول ، وإنّما هي شبهة كيف يمكن لله أن يميّز جثّة الميت التي انتشرت ويجمع أعضاءها مرّةً أخرى ، وقصّة الطيور تؤكّد مبدأ الجمع والتمييز في مقابل مبدأ التفريق والاختلاط ، وهو ما قد يشبه قوله تعالى : ( أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ) ( القيامة : 3 - 4 ) ، فلا أجد الرواية ظاهرةً في الحكاية عن قصّة الآكل والمأكول المطروحة في كلمات الفلاسفة والمتكلّمين ، بصرف النظر عن أصل هذه الشبهة ومديات صحّتها . وخلاصة القول : إنّه لو كان سؤال إبراهيم عن الآكل والمأكول لما كانت قصّة الطيور حلًا لمشكلته ، أمّا لو كان سؤاله عن التمييز والجمع فقصّة الطيور هي